السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني
173
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )
وقد فعلنا هذا لكم « لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ » ( 36 ) نعمة ربكم على ذلك وغيره . واعلموا أيها النّاس أن هداياكم وضحاياكم ونذوركم هذه وجميع صدقاتكم « لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها » بما تفعلونه ، وذلك أنهم كانوا إذا نحروا الهدايا والضّحايا لطخوا الكعبة بدمائها ويزعمون أنه قربة وليس بقربة ، ولم تزل هذه العادة الجاهلية جارية عند الجهلاء في المدن والقرى حتى اليوم ، وذلك أنهم عندما يذبحون نذرا أو خيرا أو عند إرادتهم البناء تبركا أو عند إكماله شكرا بزعمهم يلطخون باب الدّار والجدران بدم ما يذبحونه تقليدا على فعل الجاهلية بالكعبة المعظمة ، فرد اللّه عليهم بأن هذا العمل ليس من القربة المراد بها وجه اللّه والتي يثاب العبد على فعلها ، لأن اللّحوم والدّماء لن ترفع إلى اللّه تعالى بل يرفع ثوابها إذا كانت على وجه شرعي « وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ » أي يرفع إليه العمل الصّالح والإخلاص فيه المعبر عنه بالتقوى التي يجب ان تنحلوا بها فهي التي يراد بها وجه اللّه ويثاب عليها . قال تعالى ( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ) الآية 40 من سورة فاطر ج 1 « كَذلِكَ » مثل هذا التسخير البديع « سَخَّرَها » أي البدن « لَكُمْ » أيها النّاس للاستعمال والذبح « لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ » عند ذبحها على ما هداكم لمعالم دينه وأرشدكم إليها « وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ » ( 37 ) بالثواب العظيم عند اللّه تعالى إذا فعلوا ما أمروا به واجتنبوا ما نهوا عنه في هذه المناسك التي سماها اللّه تعالى منافع . هذا وليعلم أن الحج من العوامل القوية على تآلف المسلمين واتحادهم على توثيق عرى المحبّة والعون على إجراء الحق بينهم وتوحيد كلمتهم . قال تعالى ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) الآية العاشرة من سورة الحجرات الآتية ويدعو إلى تعاضدهم وتآزرهم بما يتعلق بجميع شؤونهم وإصلاح كيانهم وإعلاء شأنهم حتى تكون العزّة لهم . قال تعالى ( وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ) الآية 138 من سورة النّساء المارة وهو العامل الأقوى على لمّ شعثهم وتقويم اعوجاجهم حتى يكونوا الأمة الكريمة التي عناها اللّه بقوله ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ) الآية 130 من آل عمران المارة . وإنما فرضه اللّه تعالى على المستطيع من عباده ليرى حكمته البالغة ، ويقدر فوائده العظمى التي تعود على المسلمين بالخير الوافر والنّعم